سلسلة التوريد · الجودة

الأدوية المغشوشة ودون المستوى: كيف تمنعها سلسلة التوزيع

بقلم LNJC· · قراءة 8 دقائق

أخطر ما قد يدخل مستودعًا دوائيًا ليس دفعة تعرّضت لانحراف حراري، بل صندوق يبدو سليمًا تمامًا ولا يحوي ما يقول إنه يحويه. في هذا المقال نفصل بين مشكلتين يخلط بينهما كثيرون، الدواء دون المستوى والدواء المغشوش، ثم نعرض الضوابط العملية التي تمنع دخولهما سلسلة التوريد، وهي ضوابط تقع مسؤوليتها على الموزّع نفسه لا على الجهة الرقابية وحدها.

واحد من كل 10أدوية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل دون المستوى أو مغشوش (WHO)
30.5 مليار دولارتقدير الإنفاق السنوي على منتجات دون المستوى أو مغشوشة (WHO)
إخطار وعزل فوريانالواجب عند الاشتباه في منتج مغشوش (EU GDP)

مشكلتان مختلفتان، لا مشكلة واحدة

تفرّق منظمة الصحة العالمية بين صنفين. الأول المنتج دون المستوى، ويسمى أيضًا «خارج المواصفة»، وهو منتج طبي مرخّص لكنه يخفق في استيفاء معايير الجودة الخاصة به أو مواصفته أو كليهما.1 أي أن المنتج شرعي في أصله، لكن دفعة بعينها لم تلتزم بالمعيار.

الثاني المنتج المغشوش، وتعرّفه المنظمة بأنه منتج يُضلّل عمدًا في هويته أو تركيبه أو مصدره.1 الفرق جوهري: الأول خلل في التصنيع أو الرقابة، والثاني فعل احتيالي مقصود يُصمَّم ليبدو سليمًا.

ولهذا الفرق أثر عملي مباشر. المنتج دون المستوى قد يكشفه اختبار مخبري مقابل المواصفة، وهو ما شرحناه في مقال المواصفة ودستور الأدوية. أما المغشوش فقد يجتاز فحصًا ظاهريًا بسهولة، لأن من صنعه تعمّد أن يبدو مطابقًا، ولذلك لا تكفي معه الرقابة على الدفعة وحدها، بل تلزم رقابة على مسار الدفعة.

لماذا يعني هذا الموزّع تحديدًا

تقدّر منظمة الصحة العالمية أن واحدًا على الأقل من كل عشرة أدوية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل يكون دون المستوى أو مغشوشًا، وأن الدول تنفق ما يقدَّر بنحو 30.5 مليار دولار أمريكي سنويًا على هذه المنتجات.1 وتنبّه المنظمة إلى أن هذه المنتجات تعرّض صحة المرضى للخطر وتقوّض فعالية النظم الصحية وتضعف الثقة بمقدّمي الرعاية.1

وقد وضعت المنظمة إرشادات التخزين والتوزيع الجيدين للمنتجات الطبية ضمن الملحق السابع من التقرير الفني رقم 1025، وهي موجّهة إلى كل الأطراف المشاركة في التخزين والتوزيع من المصنّع إلى المريض، وتهدف صراحةً إلى مساعدة العاملين في سلسلة التوريد على أداء مسؤولياتهم وتفادي المنتجات دون المستوى والمغشوشة.2 وتشير الإرشادات إلى أن المنتجات الطبية تتعرض لمخاطر في مراحل مختلفة من السلسلة، من الشراء والتخزين وإعادة التعبئة وإعادة الوسم إلى النقل والتوزيع.2

الخلاصة أن نقطة الدفاع الحقيقية ليست المختبر في نهاية المسار، بل قرارات الشراء والاستلام اليومية.

الضابط الأول: من أين تشتري

تشترط إرشادات التوزيع الجيد الأوروبية أن يحصل الموزّع على إمداداته فقط من جهات تحمل هي نفسها ترخيص توزيع بالجملة أو ترخيص تصنيع.3 وحين يكون المورّد موزّعًا آخر، يقع على المشتري واجب إضافي: التحقق من التزام ذلك المورّد بمبادئ التوزيع الجيد وإرشاداته.3

وتذهب الإرشادات أبعد من التحقق من الورق، فتطلب فحصًا نافيًا للجهالة يشمل سمعة المورّد ومدى موثوقيته، وتنبّه إلى عروض ينبغي التعامل معها بحذر، منها العروض التي يُرجَّح فيها أن تكون المنتجات مغشوشة، والكميات الكبيرة على نحو غير معتاد، والأسعار الخارجة عن النطاق المألوف.3

هذه النقطة الأخيرة تستحق وقفة. السعر المنخفض على نحو غير مفهوم ليس فرصة تجارية، بل مؤشر يستوجب السؤال. والمورّد الذي يعرض فجأة كمية تفوق طاقته المعتادة يستحق تحققًا لا طلب شراء. ولمعايير اختيار المورّد بصورة أوسع، راجِع مقالنا كيف تختار موزّع المستلزمات الطبية.

الضابط الثاني: إلى من تبيع

الاتجاه الآخر مهم بالقدر نفسه. تشترط الإرشادات ألا يورّد الموزّع إلا إلى جهات تحمل ترخيص توزيع بالجملة أو تكون مرخّصة أو مخوّلة بتوريد الأدوية إلى الجمهور.3 ومن وسائل التحقق طلب نسخة من الترخيص، ومراجعة مواقع الجهات الرقابية، وطلب ما يثبت الصفة وفق القانون الوطني.3

وتطلب الإرشادات كذلك مراقبة المعاملات والتحرّي في أنماط البيع غير المعتادة، مع إبلاغ الجهات المختصة عند الاقتضاء.3 فبيع كمية غير مبررة إلى جهة صغيرة قد يعني تسرّبًا إلى قناة موازية، وهو المدخل الذي تعود منه المنتجات المغشوشة إلى السوق النظامية.

الضابط الثالث: ماذا يُفحص عند الاستلام

وظيفة الاستلام ليست توقيعًا على بوليصة. تنص الإرشادات على أن الغرض منها التأكد من أن الشحنة الواردة صحيحة، وأنها واردة من مورّدين معتمدين، وأنها لم تتضرر ضررًا ظاهرًا أثناء النقل.3 ثلاثة أسئلة إذًا لا سؤال واحد: هل هذا ما طلبناه؟ ومن أين جاء فعلًا؟ وبأي حال وصل؟

وتضيف الإرشادات، بالنسبة للدفعات الموجّهة إلى السوق الأوروبية، أنه قبل نقلها إلى المخزون القابل للبيع ينبغي أن يفحص موظفون مدرّبون تقرير الرقابة المشار إليه في المادة 51(1) من التوجيه 2001/83/EC أو دليلًا آخر على الإفراج للسوق المعنية قائمًا على نظام معادل.3 والمبدأ العام قابل للنقل إلى أي سوق: لا يدخل المنتج المخزون القابل للبيع قبل التحقق من إفراجه.

وفحص الاستلام هو أيضًا موضع التحقق من الوثائق المرافقة للدفعة، وفي مقدّمتها شهادة التحليل، وقد فصّلنا ما تخبرك به وما لا تخبرك به في هذا المقال. وللقائمة الكاملة بالمستندات التي ينبغي أن تصل مع كل شحنة، من شهادة الإفراج عن الدفعة إلى الفاتورة وبياناتها الإلزامية، راجِع مقال ما الأوراق التي يجب أن ترافق كل شحنة دوائية.

عند الاشتباه: إخطار وعزل، فورًا

حين يظهر اشتباه، تتحول القاعدة إلى إجراء محدد وسريع. تنص إرشادات التوزيع الجيد على أن على الموزّعين إخطار الجهة المختصة وصاحب رخصة التسويق فورًا بأي منتجات دوائية يحدّدونها على أنها مغشوشة أو يشتبهون في أنها كذلك.3

وتنص كذلك على أن المنتجات المغشوشة يجب أن تُعزل ماديًا على الفور وتُخزَّن في منطقة مخصصة بعيدًا عن سائر المنتجات الدوائية.3 والغاية واضحة: قطع أي احتمال لعودة المنتج إلى دورة البيع أثناء التحقق، ولو بالخطأ.

ويجدر التنبيه إلى أن الإخطار هنا واجب لا خيار، وأنه لا يتوقف على ثبوت الغش، بل يكفي الاشتباه المسبَّب. ولمن يعمل في السوق اليمنية، فإن مسار التسجيل النظامي لدى الجهات المختصة هو الأساس الذي يجعل هذا الإخطار ممكنًا أصلًا، وقد شرحناه في مسار تسجيل المنتج الطبي في اليمن.

ماذا يعني هذا عمليًا لمستودعك

الضوابط الأربعة السابقة تُختصر في أربعة ملفات ينبغي أن تكون موجودة ومحدّثة: ملف تأهيل لكل مورّد يتضمن ترخيصه ساريًا، وملف تأهيل لكل عميل، وسجل استلام يوثّق الأسئلة الثلاثة لكل شحنة، وإجراء مكتوب للإخطار والعزل يعرفه موظف المستودع لا مدير الجودة وحده.

وما يجعل هذه الملفات ذات قيمة ليس وجودها في الملف، بل أن تكون قابلة للإبراز عند أول سؤال. فالموزّع الذي لا يستطيع أن يثبت من أين جاءت دفعة بعينها، لا يستطيع أن ينفي عنها شبهة، مهما كانت سليمة في الواقع. وسجل الاستلام نفسه هو ما يجعل الاتجاه المعاكس ممكنًا أيضًا، أي معرفة إلى أين ذهبت دفعة بعينها إن استوجب الأمر استدعاءها، وهو ما فصّلناه في مقال استدعاء الأدوية وسحبها من السوق.

الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين الدواء دون المستوى والدواء المغشوش؟

الأول منتج مرخّص لا يستوفي معايير الجودة أو مواصفته، ويسمى خارج المواصفة. والثاني منتج يُضلّل عمدًا في هويته أو تركيبه أو مصدره، أي أن المشكلة فيه احتيال مقصود (WHO).

ما حجم المشكلة عالميًا؟

تقدّر منظمة الصحة العالمية أن واحدًا على الأقل من كل عشرة أدوية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل دون المستوى أو مغشوش، بإنفاق سنوي يقدَّر بنحو 30.5 مليار دولار أمريكي.

من أين يجوز للموزّع أن يشتري؟

من جهات تحمل ترخيص توزيع بالجملة أو ترخيص تصنيع فقط، ومع التحقق من التزام المورّد الموزّع بمبادئ التوزيع الجيد (EU GDP).

ماذا يفعل الموزّع عند الاشتباه في منتج مغشوش؟

يخطر الجهة المختصة وصاحب رخصة التسويق فورًا، ويعزل المنتج ماديًا على الفور في منطقة مخصصة بعيدًا عن بقية المنتجات (EU GDP).

المصادر

  1. World Health Organization, Substandard and falsified medical products (صحيفة وقائع: التعريفات والأرقام). who.int (اطُّلع عليه في 11 أغسطس 2026)
  2. WHO, Good storage and distribution practices for medical products, WHO Technical Report Series No. 1025, Annex 7 (2020). who.int (اطُّلع عليه في 11 أغسطس 2026)
  3. European Commission, Guidelines of 5 November 2013 on Good Distribution Practice of medicinal products for human use (2013/C 343/01)، الفصل الخامس: العمليات، والفصل السادس: الشكاوى والمرتجعات والمنتجات المغشوشة. eur-lex.europa.eu (اطُّلع عليه في 11 أغسطس 2026)