الجودة
نظام إدارة الجودة وإدارة المخاطر في التوزيع الدوائي: ماذا تشترط إرشادات التوزيع الجيد؟
حين يُسأل موزّع عن نظام الجودة لديه، لا يكفي أن يشير إلى إجراءات مكتوبة على الرف أو شهادة معلّقة على الجدار. نظام إدارة الجودة، بحسب إرشادات التوزيع الجيد الأوروبية، أوسع من ذلك بكثير، فهو يشمل الهيكل التنظيمي والعمليات والموارد ومبادئ إدارة المخاطر معًا، وتقع مسؤوليته على عاتق الإدارة نفسها لا على قسم الجودة وحده. في هذا المقال نوضح ما الذي يشترطه الفصل الأول من هذه الإرشادات في بناء هذا النظام، وما الذي يجب أن يضمنه، وكيف تُدار الأنشطة المتعاقد عليها ضمنه، ثم نعرض ما تعنيه المراجعة الإدارية الدورية وإدارة مخاطر الجودة عمليًا.
المبدأ: مسؤولية الإدارة، لا قسم الجودة وحده
تنص إرشادات التوزيع الجيد الأوروبية على أن الموزّعين بالجملة يجب أن يحتفظوا بنظام جودة يحدد المسؤوليات والعمليات ومبادئ إدارة المخاطر المرتبطة بأنشطتهم.1 ويجب أن تُعرَّف كل أنشطة التوزيع بوضوح، وأن تُراجَع بشكل منهجي، وأن تُبرَّر الخطوات الحرجة في عمليات التوزيع والتغييرات الجوهرية، وأن يُتحقَّق منها حيث يكون ذلك مناسبًا.1
وتؤكد الإرشادات صراحة أن نظام الجودة مسؤولية إدارة المؤسسة، ويتطلب قيادتها ومشاركتها الفعلية، وينبغي أن يحظى بدعم التزام الموظفين.1 فالفارق هنا ليس شكليًا، إذ إن نظامًا موكولًا بالكامل إلى موظف جودة منفرد، دون قيادة فعلية من الإدارة، لا يستوفي هذا الشرط مهما بدا مكتملًا على الورق.
ماذا يشمل نظام إدارة الجودة
يجب أن يشمل نظام إدارة الجودة الهيكل التنظيمي والإجراءات والعمليات والموارد، إضافة إلى الأنشطة اللازمة لضمان الثقة بأن المنتج المسلَّم يحافظ على جودته وسلامته ويبقى ضمن سلسلة التوريد القانونية أثناء التخزين أو النقل.1 ويجب أن يكون نظام الجودة موثّقًا توثيقًا كاملًا، وأن تُرصَد فعاليته.1 فكل الأنشطة المرتبطة بنظام الجودة يجب أن تُحدَّد وتُوثَّق، ويُنشأ دليل جودة أو ما يعادله من نهج توثيقي.1
وتشترط الإرشادات أن تُعيِّن الإدارة شخصًا مسؤولًا، بصلاحية ومسؤولية محددتين بوضوح لضمان تطبيق نظام الجودة والمحافظة عليه.1 وقد فصّلنا دور هذا الشخص ومسؤولياته وحدود تفويضه في مقال الشخص المسؤول وتدريب الموظفين، وهو التفصيل الذي يبني على هذا الشرط العام مباشرة. وفصّلنا كذلك معايير كتابة هذا التوثيق واعتماده والاحتفاظ به في مقال التوثيق والسجلات في التوزيع الدوائي.
كما يجب على إدارة الموزّع أن تضمن تزويد جميع أجزاء نظام الجودة بموظفين أكفاء، ومبانٍ ومعدات ومرافق مناسبة وكافية.1 ويجب أن يُراعى حجم أنشطة الموزّع وهيكلها ودرجة تعقيدها عند وضع نظام الجودة أو تعديله.1 ويجب أن يكون هناك نظام لضبط التغيير، يتضمن مبادئ إدارة مخاطر الجودة، ويكون متناسبًا وفعالًا.1 فنظام جودة صُمِّم لمستودع صغير لا يصلح دون تعديل لعملية أكبر وأكثر تعقيدًا، والعكس صحيح أيضًا، إذ إن التعقيد الزائد عن حاجة عملية صغيرة يستهلك موارد كان يمكن توجيهها لضمانات أهم.
ست ضمانات يجب أن يحققها النظام
تحدد الإرشادات ستة أمور يجب أن يضمنها نظام إدارة الجودة: أن تُشترى المنتجات الدوائية وتُحفظ وتُورَّد أو تُصدَّر بما يتوافق مع متطلبات التوزيع الجيد؛ وأن تكون مسؤوليات الإدارة محددة بوضوح؛ وأن تصل المنتجات إلى المستلمين الصحيحين خلال مدة زمنية مُرضية؛ وأن تُسجَّل البيانات آنيًا لا بعد وقوعها؛ وأن تُوثَّق الانحرافات عن الإجراءات المعتمدة ويُحقَّق فيها؛ وأن تُتَّخذ إجراءات تصحيحية ووقائية مناسبة، والمعروفة اختصارًا بـCAPA، لتصحيح الانحرافات ومنع تكرارها بما ينسجم مع مبادئ إدارة مخاطر الجودة.1
هذه الضمانات الستة، مقروءة معًا، تكشف أن نظام الجودة ليس وثيقة تصف كيف تسير الأمور حين لا يحدث خطأ، بل هو أيضًا الآلية التي تحدد ماذا يحدث حين يقع انحراف، من يوثقه، ومن يحقق فيه، ومن يقرر الإجراء اللازم لمنع تكراره.
إدارة الأنشطة المتعاقد عليها ضمن نظام الجودة
يمتد نظام إدارة الجودة إلى مراقبة ومراجعة أي أنشطة متعاقد عليها مرتبطة بشراء المنتجات الدوائية أو حفظها أو توريدها أو تصديرها.1 ويجب أن تتضمن هذه العمليات مبادئ إدارة مخاطر الجودة، وأن تشمل تقييم مدى ملاءمة الجهة المنفّذة وكفاءتها لأداء النشاط، والتحقق من حالة ترخيصها إن لزم ذلك؛ وتحديد مسؤوليات الأطراف المعنية وقنوات التواصل بينها فيما يتعلق بالأنشطة ذات الصلة بالجودة؛ ومراقبة أداء الجهة المنفّذة ومراجعته، وتحديد أي تحسينات مطلوبة وتنفيذها بانتظام.1
هذا الشرط يوضح أن التعاقد على نشاط لا يخرجه من نطاق نظام الجودة، بل يُدخله ضمن آلية مراقبة محددة بذاتها. وقد شرحنا في مقال الأنشطة المتعاقد عليها في التوزيع الدوائي ما يشترطه العقد المكتوب بين الجهة المتعاقدة والجهة المنفّذة تفصيلًا، وما يحدث هنا في الفصل الأول هو الإطار الأعم الذي يضع تلك التفاصيل ضمن نظام جودة واحد شامل.
المراجعة الإدارية الدورية
يجب أن تملك الإدارة عملية رسمية لمراجعة نظام الجودة على أساس دوري.1 وتشمل هذه المراجعة قياس مدى تحقيق أهداف نظام الجودة؛ وتقييم مؤشرات الأداء التي يمكن استخدامها لرصد فعالية العمليات ضمن نظام الجودة، كالشكاوى والانحرافات والإجراءات التصحيحية والوقائية والتغييرات في العمليات؛ إضافة إلى الملاحظات الواردة عن الأنشطة المتعاقد عليها؛ وعمليات التقييم الذاتي، بما فيها تقييمات المخاطر والتدقيق الداخلي؛ والتقييمات الخارجية، كالتفتيش ونتائجه وتدقيق العملاء.1
وتشمل المراجعة أيضًا اللوائح والإرشادات والمسائل الجودية الناشئة التي قد تؤثر في نظام إدارة الجودة؛ والابتكارات التي قد تعزز النظام؛ والتغيرات في بيئة العمل وأهدافه.1 ويجب توثيق نتيجة كل مراجعة إدارية لنظام الجودة في وقت مناسب، وإبلاغها داخليًا بفعالية.1 فمراجعة تُجرى ولا تُوثَّق نتيجتها، أو تُوثَّق ولا تصل إلى من يحتاج إلى معرفتها، لا تختلف عمليًا عن مراجعة لم تحدث أصلًا. وأحد مصادر هذه المراجعة تحديدًا هو التقييم الذاتي، وهو ما فصّلناه في مقال التفتيش الذاتي في التوزيع الدوائي.
إدارة مخاطر الجودة
إدارة مخاطر الجودة عملية منهجية لتقييم المخاطر التي تهدد جودة المنتجات الدوائية والسيطرة عليها والتواصل بشأنها ومراجعتها.1 ويمكن تطبيقها بشكل استباقي أو بأثر رجعي.1 ويجب أن تضمن إدارة مخاطر الجودة أن تقييم الخطر على الجودة يستند إلى المعرفة العلمية والخبرة بالعملية، ويرتبط في نهاية المطاف بحماية المريض.1 ويجب أن يتناسب مستوى الجهد والرسمية والتوثيق في هذه العملية مع مستوى الخطر نفسه.1
وتشير الإرشادات إلى أن أمثلة على عمليات إدارة مخاطر الجودة وتطبيقاتها يمكن الاطلاع عليها في إرشاد Q9 الصادر عن المؤتمر الدولي لتنسيق المتطلبات الفنية لتسجيل الأدوية البشرية، المعروف اختصارًا بـICH.1 والمبدأ العملي هنا بسيط، فلا حاجة إلى المستوى نفسه من التوثيق والتحليل لخطر بسيط محدود الأثر ولخطر قد يمتد إلى سلسلة توريد كاملة، والتناسب هو ما يمنع إدارة المخاطر من أن تتحول إما إلى إجراء شكلي أو إلى عبء إداري لا يضيف قيمة فعلية.
ماذا يعني هذا عمليًا لمستودعك
يختصر ما سبق في أربعة عناصر لا ينبغي أن تغيب عن أي عملية توزيع، دليل جودة موثّق يحدد المسؤوليات والعمليات ومبادئ إدارة المخاطر، شخص مسؤول تعينه الإدارة بصلاحية واضحة لتطبيق هذا النظام والمحافظة عليه، مراجعة إدارية دورية موثّقة تغطي المؤشرات والتغييرات الطارئة، وإطار لإدارة مخاطر الجودة يتناسب جهده مع حجم الخطر لا مع حجم المستودع.
وما يميّز نظام الجودة الفعّال ليس عدد الإجراءات المكتوبة فيه، بل قدرته على كشف الانحراف قبل أن يصل إلى المريض، وعلى تعلُّم المؤسسة من هذا الانحراف بدلًا من تكراره.
الأسئلة الشائعة
ما نظام إدارة الجودة الذي يلزم الموزّع بالجملة الاحتفاظ به؟
نظام يحدد المسؤوليات والعمليات ومبادئ إدارة المخاطر المرتبطة بأنشطة الموزّع، تُعرَّف فيه كل أنشطة التوزيع بوضوح وتُراجَع بشكل منهجي، وتُبرَّر الخطوات الحرجة والتغييرات الجوهرية وتُحقَّق منها حيث يلزم (EU GDP).
ما الذي يجب أن يضمنه نظام إدارة الجودة؟
أن تُشترى المنتجات وتُحفظ وتُورَّد أو تُصدَّر بما يتوافق مع التوزيع الجيد، وأن تكون مسؤوليات الإدارة واضحة، وأن تصل المنتجات للمستلمين الصحيحين في وقت مُرضٍ، وأن تُسجَّل البيانات آنيًا، وأن تُوثَّق الانحرافات ويُحقَّق فيها، وأن تُتَّخذ إجراءات تصحيحية ووقائية مناسبة (EU GDP).
كيف تُدار الأنشطة المتعاقد عليها ضمن نظام الجودة؟
يمتد النظام إلى مراقبة ومراجعة الأنشطة المتعاقد عليها المتعلقة بالشراء أو الحفظ أو التوريد أو التصدير، عبر تقييم كفاءة الجهة المنفّذة والتحقق من ترخيصها، وتحديد المسؤوليات وقنوات التواصل، ومراقبة أدائها بانتظام (EU GDP).
ما إدارة مخاطر الجودة؟
عملية منهجية لتقييم مخاطر جودة المنتجات الدوائية والسيطرة عليها والتواصل بشأنها ومراجعتها، تُطبَّق استباقيًا أو بأثر رجعي، وتُبنى على المعرفة العلمية والخبرة بالعملية، وترتبط بحماية المريض. أمثلة عليها في إرشاد ICH Q9 (EU GDP).
المصادر
- European Commission, Guidelines of 5 November 2013 on Good Distribution Practice of medicinal products for human use (2013/C 343/01)، الفصل الأول: إدارة الجودة. eur-lex.europa.eu (اطُّلع عليه في 22 أغسطس 2026)